محمد بن جرير الطبري
64
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل ، أو ما يستقبح فسب الانسان الانسان بالباطل الذي لا حقيقة له من اللغو . وذكر النكاح بصريح اسمه مما يستقبح في بعض الأماكن ، فهو من اللغو ، وكذلك تعظيم المشركين آلهتهم من الباطل الذي لا حقيقة لما عظموه على نحو ما عظموه ، وسماع الغناء مما هو مستقبح في أهل الدين ، فكل ذلك يدخل في معنى اللغو ، فلا وجه إذ كان كل ذلك يلزمه اسم اللغو ، أن يقال : عني به بعض ذلك دون بعض ، إذ لم يكن لخصوص ذلك دلالة من خبر أو عقل . فإذا كان ذلك إذ كذلك ، فتأويل الكلام : وإذا مروا بالباطل فسمعوه أو رأوه ، مروا كراما مرورهم كراما في بعض ذلك بأن لا يسمعوه ، وذلك كالغناء . وفي بعض ذلك بأن يعرضوا عنه ويصفحوا ، وذلك إذا أوذوا بإسماع القبيح من القول . وفي بعضه بأن ينهوا عن ذلك ، وذلك بأن يروا من المنكر ما يغير بالقول فيغيروه بالقول . وفي بعضه بأن يضاربوا عليه بالسيوف ، وذلك بأن يروا قوما يقطعون الطريق على قوم ، فيستصرخهم المراد ذلك منهم ، فيصرخونهم ، وكل ذلك مرورهم كراما . وقد : 20156 - حدثني ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا محمد بن مسلم ، عن إبراهيم بن ميسرة ، قال : مر ابن مسعود بلهو مسرعا فقال رسول الله ( ص ) : إن أصبح ابن مسعود لكريما . وقيل : إن هذه الآية مكية . ذكر من قال ذلك : 20157 - حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، قال : سمعت السدي يقول : وإذا مروا باللغو مروا كراما قال : هي مكية ، وإنما عنى السدي بقوله هذا إن شاء الله ، أن الله نسخ ذلك بأمره المؤمنين بقتال المشركين بقوله : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وأمرهم إذا مروا باللغو الذي هو شرك ، أن يقاتلوا أمراءه ، وإذا مروا باللغو ، الذي هو معصية لله أن يغيروه ، ولم يكونوا أمروا بذلك بمكة ، وهذا القول نظير تأويلنا الذي تأولناه في ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : * ( والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ) * . يقول تعالى ذكره : والذين إذا ذكرهم مذكر بحجج الله ، لم يكونوا صما لا يسمعون ، وعميا لا يبصرونها . ولكنهم يقاظ القلوب ، فهماء العقول ، يفهمون عن الله ما يذكرهم به ،